أبي منصور الماتريدي
322
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أيضا - تقع لوجهين : تزين في الطباع ، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويشتهي ، وإن لم يكن في نفسه حسنا . وتزين في العقل ، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه ، أو الأمر أو حمد العاقبة ونحو ذلك ، ثم جعل العقل مانعا له ، رادّا عما يرغب إليه الطبع ويميل ؛ لأن الطبع أبدا يميل [ ويرغب ] « 1 » إلى ما هو ألذّ وأشهى وأخف عليه ، وينفر عما يضره ويؤلمه . والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه ، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه ؛ وعلى ذلك يخرج قوله صلى اللّه عليه وسلم : « حفّت الجنّة بالمكاره ، والنّار بالشّهوات » « 2 » : ليس على كراهة العقل ، ولا على شهوة العقل ؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته ؛ وكذلك قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] : ليس على كراهة الاختيار ، ولكن كراهة الطبع ؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار ، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار ، وفيها تجري الكلفة « 3 » - أعني : على اختيار العقل ، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ ، وينفر عن الضارّ ؛ دليله قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجا ؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته ، لا على اختيار الطبع ؛ لذلك قلنا : إنه يجوز التزيين في الطبع من اللّه تعالى ، وكذلك الكراهة في الطبع تكره « 4 » من اللّه تعالى « 5 » . فأمّا قولهم « 6 » : إن الشيطان هو الذي زينها : فإن عنوا أنه يزينها لهم ، أي : يرغبهم
--> ( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 3 / 254 ) ، وعبد بن حميد ( 1113 ) ، ومسلم في صحيحه ( 4 / 2174 ) : كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ( 1 - 2822 ) ، والترمذي ( 4 / 319 ) أبواب صفة الجنة : باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ، ( 2559 ) ، وابن حبان في صحيحه رقم ( 716 - الإحسان ) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حفّت الجنة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات » . وأخرجه أحمد ( 2 / 260 ) ، والبخاري في صحيحه ( 13 / 116 ) : كتاب الرقاق : باب حجبت النار بالشهوات ، ( 6487 ) ، ومسلم في الموضع السابق ، وابن حبان ( 719 ) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به مرفوعا . وعند البخاري « حجبت » مكان « حفت » . ( 3 ) أي : التكاليف ، وهي : إلزام ما فيه كلفة أو توجه الخطاب بالأمر والنهي على المخاطب . انظر : أصول الدين لعبد القاهر البغدادي ( 207 ) . ( 4 ) في ب : مكره . ( 5 ) في ب : عزّ وجل . ( 6 ) في ب : وقولهم .